العلامة المجلسي

214

بحار الأنوار

وبعضهم لم يستحق ذلك فيخذله الله فيختار الكفر بمعنى الجحود . وكأن هذا أظهر من الخبر ، لكن فيه أنه لم يظهر منه أنه هل يمكن أن ينقله الله من كفر الجحود إلى الايمان ؟ والظاهر أن مراد السائل كان استعلام ذلك ويمكن الجواب بوجهين الأول أن نحمل كلام السائل ثانيا على الاخبار أو التعجب لا الاستفهام ، ولما كان كلامه موهما لكون ذلك على الجبر أفاد عليه السلام أن هدايته سبحانه وخذلانه لا يوجبان سلب الاختيار ، فإنهم على الفطرة القابلة لهما ، والثاني أن يقال إنه أفاد عليه السلام قاعدة كلية يظهر منه جواب ذلك ، وهو أنه يمكن ذلك لكن بهذا النحو المذكور لا بالجبر . فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن المؤمن بعد اتصافه بالايمان الحقيقي في نفس الامر ، هل يمكن أن يكفر أم لا ؟ ولا خلاف في أنه لا يمكن ما دام الوصف ، وإنما النزاع في إمكان زواله بضد أو غيره ، فذهب أكثرهم إلى جواز ذلك بل إلى وقوعه ، وذلك لان زوال الضد بطريان ضده أو مثله على القول بعدم اجتماع الأمثال ممكن ، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال وظاهر كثير من الآيات الكريمة دال عليه كقوله تعالى " إن الذين آمنوا ثم كفروا [ ثم آمنوا ثم كفروا ] ثم ازدادوا كفرا " ( 1 ) وقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين " ( 2 ) . وذهب بعضهم إلى عدم جواز زوال الايمان الحقيقي بضد أو غيره ، وقال الشهيد الثاني قدس الله روحه ونسب ذلك إلى السيد المرتضى رضي الله عنه مستدلا بأن ثواب الايمان دائم ، وعقاب الكفر دائم ، والاحباط والموافاة عنده باطلان أما الاحباط فلاستلزام أن يكون الجامع بين الاحسان والإساءة بمنزلة من لم يفعلهما مع تساويهما ، أو بمنزلة من لم يحسن إن زادت الإساءة ، وبمنزلة من لم يسئ مع العكس ، واللازم بقسميه باطل قطعا فالملزوم مثله وأما الموافاة فليست

--> ( 1 ) النساء : 137 وتصحيح الآية من المصحف الشريف . ( 2 ) آل عمران : 100 .